top of page

قضايا خيانة الأمانة بين نظام العمل ونظام مكافحة الاحتيال

دليل عملي لأصحاب العمل والموظفين في قضايا خيانة الأمانة، يوضح الفصل بين المسار العمالي وفق نظام العمل والمسار الجزائي وفق نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة.

الرياض – يقع كثير من المنشآت في خطأ جوهري عند اكتشاف تصرف مالي مشبوه من أحد العاملين: الخلط بين إجراء الفصل التأديبي وفق نظام العمل، وبين البلاغ الجزائي وفق نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/79) وتاريخ 10/9/1442هـ. وهذا الخلط يكلف المنشأة إما ضياع حقها المالي، أو الحكم عليها بالتعويض عن فصل غير مشروع.

والمسألة ليست تفصيلًا إجرائيًا؛ فالمسار الأول ينتهي أمام المحكمة العمالية، والثاني أمام المحكمة الجزائية بادعاء النيابة العامة، ولكل منهما شروطه ومواعيده وأدلته.

متى يكون الفعل خيانة أمانة نظامًا

نصت المادة الثانية من نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة على معاقبة كل من استولى دون وجه حق على مال سُلّم إليه بحكم عمله أو على سبيل الأمانة أو الشراكة أو الوديعة أو الإعارة أو الإجارة أو الرهن أو الوكالة، أو تصرف فيه بسوء نية، أو أحدث به ضررًا عمدًا، وذلك في غير المال العام.

والعقوبة السجن مدة لا تتجاوز خمس سنوات، وغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو إحدى العقوبتين. وتقوم الجريمة على ركنين: تسلّم المال بحكم العمل أو الأمانة، ثم انصراف نية الجاني إلى الاستيلاء عليه أو الإضرار به عمدًا.

أما إذا انطوى الفعل على استخدام الكذب أو الخداع أو الإيهام للاستيلاء على المال، فيدخل في المادة الأولى من النظام، وعقوبتها أشد: السجن حتى سبع سنوات وغرامة حتى خمسة ملايين ريال.

مهلة الأربع والعشرين ساعة: الخطأ الأكثر تكلفة

تجيز المادة (80) من نظام العمل لصاحب العمل فسخ العقد دون مكافأة ولا إشعار ولا تعويض في تسع حالات، أبرزها في هذا السياق حالتان: ثبوت ارتكاب العامل سلوكًا سيئًا أو عملًا مخلًا بالشرف أو الأمانة، وتعمّده إلحاق خسارة مادية بصاحب العمل.

والحالة الثانية مقيدة بشرط زمني حاسم: إبلاغ الجهات المختصة بالحادثة خلال أربع وعشرين ساعة من وقت العلم بوقوعها. وتفويت هذه المهلة يُفقد صاحب العمل الاستناد إلى هذه الفقرة، وقد يتحول الفصل حينها إلى فصل غير مشروع يستوجب التعويض.

كما تشترط المادة (80) إتاحة الفرصة للعامل لإبداء أسباب معارضته للفسخ قبل تنفيذه، وهو شرط يُغفل كثيرًا فيبطل به إجراء الفصل رغم ثبوت الواقعة.

إجراءات التحقيق الداخلي الصحيحة

التحقيق الداخلي في قضايا خيانة الأمانة داخل المنشأة

التحقيق الداخلي ليس إجراءً شكليًا، بل هو الوعاء الذي تُبنى عليه لاحقًا مشروعية الفصل وقوة البلاغ الجزائي. وتوجب المواد (71) وما بعدها من نظام العمل إبلاغ العامل كتابة بما نُسب إليه، واستجوابه، وتحقيق دفاعه، وإثبات ذلك كله في محضر يودع في ملفه.

  1. تأمين الأدلة فورًا: تجميد الصلاحيات الإلكترونية، وحفظ السجلات والمراسلات وتسجيلات المراقبة قبل أي مواجهة.

  2. الإبلاغ الفوري للجهة المختصة إذا كانت الواقعة تندرج تحت تعمّد إلحاق خسارة مادية، احترامًا لمهلة الأربع والعشرين ساعة.

  3. إشعار العامل كتابيًا بالمخالفة المنسوبة إليه بوصف محدد لا بعبارات عامة.

  4. استجواب العامل وتمكينه من الدفاع، وتدوين أقواله حرفيًا في محضر موقّع.

  5. عدم تجاوز المدد النظامية للتحقيق وتوقيع الجزاء، إذ لا يجوز اتهام العامل بمخالفة مضى على اكتشافها ثلاثون يومًا.

  6. إصدار قرار مسبب مستند إلى فقرة محددة من المادة (80)، مع تبليغ العامل به وإثبات التبليغ.

تقرير المحاسب القانوني ودوره في الإثبات

في قضايا الاستيلاء المالي، لا يكفي الاتهام العام بوجود عجز في الصندوق أو نقص في المخزون. المطلوب تقرير من محاسب قانوني مرخص يحدد المبلغ محل الاستيلاء تحديدًا رقميًا، ويربطه بمستنداته، ويبيّن آلية الاستيلاء والفترة الزمنية التي وقع خلالها.

والتقرير المهني القوي يفرّق بين ثلاثة أوضاع تختلف آثارها النظامية اختلافًا كاملًا: خطأ محاسبي غير عمدي، وإهمال في حفظ المال، واستيلاء متعمد. والأول لا يصلح أساسًا لدعوى جزائية، والثاني قد يرتب مسؤولية مدنية دون جنائية.

ويُفضّل أن يتضمن التقرير كشفًا زمنيًا للحركات المالية، ومطابقة بين المستندات المؤيدة والقيود المسجلة، وتحديدًا لصلاحيات العامل ونطاق تسلّمه للمال، لأن نطاق التسليم هو الركن المادي للجريمة.

مسار البلاغ الجزائي

تتولى النيابة العامة التحقيق والادعاء أمام المحكمة المختصة في جرائم هذا النظام. ويُقدَّم البلاغ مشفوعًا بمحضر التحقيق الداخلي، وتقرير المحاسب القانوني، والمستندات المثبتة لتسليم المال.

وتضمّن النظام أحكامًا تدعم موقف المجني عليه، منها مصادرة الأدوات والمتحصلات المتحققة من الجريمة بحكم قضائي دون إخلال بحق الغير حسن النية، وجواز تضمين الحكم النص على نشر ملخصه على نفقة المحكوم عليه بعد اكتسابه الصفة النهائية.

كما شدد النظام العقوبة فلا تقل عن نصف حدها الأعلى ولا تتجاوز ضعفه إذا ارتُكبت الجريمة من خلال عصابة منظمة أو في حالة العود. وإذا شكّل الفعل جريمة بموجب أنظمة أخرى، طُبقت العقوبة الأشد.

طرق الدفاع عن العامل المتهم

الدفاع في هذه القضايا لا يبدأ من إنكار الواقعة، بل من تفكيك أركان الجريمة والإجراءات معًا:

  • انتفاء ركن التسليم: أن المال لم يُسلَّم للعامل بحكم عمله، وإنما كان في عهدة مشتركة أو تحت صلاحية أكثر من شخص.

  • انتفاء القصد الجنائي: وجود خطأ محاسبي أو خلل في النظام المحاسبي للمنشأة لا نية استيلاء.

  • الطعن في تقرير المحاسب: صدوره من غير مرخص، أو بناؤه على تقديرات لا مستندات، أو إغفاله لمستندات مؤيدة قدّمها العامل.

  • بطلان إجراءات التحقيق الداخلي: عدم الإشعار الكتابي، أو الحرمان من الدفاع، أو تجاوز المدد النظامية.

  • التمسك بالمادة (80) شكلًا: عدم الإبلاغ خلال أربع وعشرين ساعة في حالة الخسارة المادية المتعمدة.

  • المبادرة بالإبلاغ: إذ أجاز النظام للمحكمة الإعفاء من العقوبة لمن بادر بإبلاغ السلطة المختصة قبل العلم بالجريمة وقبل وقوع الضرر.

أخطاء شائعة لدى أصحاب العمل

  • توقيف العامل أو احتجاز مستنداته الشخصية، وهو تصرف قد ينقلب إلى دعوى ضد المنشأة.

  • أخذ إقرار من العامل تحت الضغط أو التهديد بالبلاغ، فيسقط الإقرار عند المنازعة.

  • الاكتفاء بالفصل دون بلاغ جزائي، ثم المطالبة بالمال بعد سنوات وقد ضاعت الأدلة.

  • رفع الدعوى العمالية أو المطالبة بعد فوات مدة سماع الدعوى العمالية، وهي اثنا عشر شهرًا من تاريخ انتهاء علاقة العمل.

  • الخلط بين المطالبة المدنية بالمال والدعوى الجزائية، والصواب أن الحق الخاص يُطالب به مستقلًا.

خلاصة

العلاقة بين نظام العمل ونظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة علاقة تكامل لا تعارض: الأول يحكم مصير العلاقة العمالية ومكافأة نهاية الخدمة، والثاني يحكم المسؤولية الجزائية واسترداد المال. والنجاح في القضية مرهون بانضباط الساعات الأولى بعد اكتشاف الواقعة.

تتولى شركة محمود عادل الثمالي للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم إعداد التحقيقات الداخلية، وصياغة البلاغات الجزائية، والترافع أمام المحاكم العمالية والجزائية، عبر مكاتبها في الرياض وجدة والطائف.

 
 
 

تعليقات


bottom of page