top of page

#المخاطر القانونية على البنوك وشركات التأمين بعد نظام المعاملات المدنية: عقودكم القديمة تحت قانونٍ جديد



لم تتغيّر عقودكم النمطية، لكن الأرض التي تقف عليها تغيّرت. منذ نفاذ نظام المعاملات المدنية (الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/191، والساري اعتبارًا من 16 ديسمبر 2023م)، صار آلاف عقود التمويل ووثائق التأمين والشروط العامة التي وقّعها عملاؤكم سابقًا خاضعةً لأحكامٍ آمرة لم تكن موجودة وقت إبرامها. والخطر الأكبر أنه لا يظهر في الميزانية ولا في تقارير المخاطر التشغيلية — بل ينفجر فجأةً في أول نزاع أمام محكمة تطبّق النظام الجديد على عقدٍ صيغ بعقلية ما قبله.


المشكلة: النظام لا يحكم عقودكم الجديدة فقط


أكثر ما يُساء فهمه أن النظام يحكم ما يُبرم بعده. الواقع أن مواد الإصدار رتّبت سريانه — كقاعدة — على الوقائع والعقود القائمة قبل نفاذه، مع استثناءات محدودة أبرزها مدد التقادم التي بدأت قبل النفاذ. عمليًا، هذا يعني أن **محفظة عقودكم التاريخية بأكملها صارت محلًّا للمراجعة القضائية** بمعايير النظام، لا بمعايير اللحظة التي وُقّعت فيها.


هنا يقع الاصطدام: عقود البنوك وشركات التأمين هي بطبيعتها **عقود إذعان** — يضع المؤسِّس شروطها مسبقًا، ولا يملك العميل إلا القبول أو الرفض. وقد عرّف النظام عقد الإذعان صراحةً (المادة 40) بأن القبول فيه يقتصر على التسليم بشروط مقرّرة يضعها الموجِب دون مناقشة. وما إن يوصَف العقد بأنه إذعان، حتى تنفتح عليه سلطات تصحيحية للقاضي لم تكن البنوك وشركات التأمين معتادة عليها.


نقاط التماس الخطرة — بأمثلة عملية


١- الشروط التعسفية في عقود الإذعان: القاضي يعدّلها أو يلغيها.

لم يعد إدراج شرطٍ في الوثيقة كافيًا لإنفاذه. فمتى كان العقد إذعانًا وتضمّن شرطًا تعسفيًا، فللقاضي تعديله أو إعفاء الطرف المذعن منه وفق ما تقتضيه العدالة، ويبطل كل اتفاق على خلاف ذلك.

*مثال تأميني:* بند استثناء فضفاض في وثيقة تأمين («لا تغطي الشركة أي ضرر ناتج عن إهمال») صيغ لمصلحة المؤمِّن. أمام النظام الجديد قد يُقرأ هذا الاستثناء بوصفه شرطًا تعسفيًا في عقد إذعان، ويُفسَّر الغموض لمصلحة المؤمَّن له، فتُلزَم الشركة بتغطية كانت تظنها مستبعَدة.


٢- الشرط الجزائي: لم يعد رقمًا ملزما .

كثير من عقود التمويل تبني دخلها الافتراضي على غرامات تأخّر وشروط جزائية ثابتة. النظام (المادة 179) منح القاضي سلطة **تخفيض الشرط الجزائي** إذا أثبت المدين أن الالتزام نُفّذ جزئيًا أو أن المبلغ مبالغ فيه.

*مثال بنكي:* عقد تمويل ينصّ على غرامة تأخير مقطوعة عن كل قسط. عميل تعثّر بعد سداد 80% من التمويل يطلب من المحكمة تخفيض الغرامة لتناسب الضرر الفعلي — والقاضي يملك ذلك الآن. النتيجة: تتآكل إيرادات الغرامات المقدّرة في النماذج المالية، ما لم تُعَد صياغة البنود لتعكس ضررًا واقعيًا لا مبالغًا فيه.


٣- التقادم: مطالباتكم لها عمر افتراضي.

وضع النظام قاعدة عامة بعدم سماع دعوى الحقوق المدنية بعد عشر سنوات من الاستحقاق ما لم يُنصّ على خلافه، فيما تخضع الدعاوى التجارية لمدة أقصر تبلغ خمس سنوات غالبًا. السيف ذو حدّين:

*مثال بنكي:* ديون متعثّرة قديمة في سجلات البنك قد تكون مطالباتها غير مسموعة اليوم إن تجاوزت المدة دون مطالبة أو إقرار قاطع للتقادم.

*مثال تأميني:* في المقابل، انتبهوا إلى أن مطالبات المؤمَّن لهم تخضع هي الأخرى لمدد، لكن النظام يؤجّل بدء سريان المدة في حالات الغش أو التدليس إلى تاريخ العلم — ما يطيل تعرّضكم في الملفات التي يُدّعى فيها سوء النية.


٤- حسن النية والتعسف في استعمال الحق.

ألزم النظام بتنفيذ العقد بطريقةٍ تتّفق مع حسن النية، وقرّر مسؤولية من يتعسّف في استعمال حقّه. هذا يحوّل ممارسات كانت تُعدّ «حقًّا تعاقديًا» إلى مصدر مسؤولية.

*مثال بنكي:* تفعيل شرط تعجيل كامل المديونية لتأخّرٍ يسير وغير جوهري قد يوصف بالتعسف في استعمال الحق، فيُحرَم البنك من أثره ويُسأل عن الضرر.

*مثال تأميني:* المماطلة في تسوية مطالبة واضحة أو طلب مستندات تعجيزية قد يُقرأ كتنفيذٍ بسوء نية يرتّب تعويضًا إضافيًا.


٥- بطلان الاتفاق على خلاف الأحكام الآمرة.

بنود التنصّل من المسؤولية، والإقرارات المسبقة بالتنازل عن حقوق نظامية، والاتفاقات التي تُسقط سلطة القاضي التصحيحية — كثير منها يقع باطلًا أمام النظام مهما حملت من توقيع. التوقيع لم يَعُد يحصّن البند المخالف للنظام.


الحل: برنامج معالجة عقود لا مجرّد مراجعة عابرة


الخطر منهجي، فالحل يجب أن يكون منهجيًا. ما نوصي به البنوك وشركات التأمين هو برنامج معالجة (Contract Remediation) من خمس خطوات:


أولًا، **جرد المحفظة وتصنيف المخاطر**: حصر النماذج العقدية القائمة (تمويل، رهن، ضمان، وثائق تأمين، شروط عامة) وترتيبها حسب درجة تعرّضها — أيّها يحوي شروطًا جزائية، استثناءات واسعة، أو بنود إعفاء.


ثانيًا، **اختبار كل نموذج ضد المواد الآمرة**: عقود الإذعان، الشرط الجزائي، حسن النية، التقادم، الغبن. لكل بند مخالِف، قرار: يُعاد صياغته، أم يُحذف، أم يُحاط بضمانات.


ثالثًا، **إعادة صياغة النماذج**: تحويل الشروط الجزائية إلى تقديرٍ معقول للضرر، وإعادة كتابة الاستثناءات بوضوح يصمد أمام تفسيرٍ لمصلحة المذعن، وإزالة الإعفاءات الباطلة.


رابعًا، **حوكمة الإصدار**: ربط أي بند جديد بموافقة قانونية، ومنع الفروع من استخدام نماذج قديمة، وإنشاء مكتبة نماذج معتمدة محدّثة.


خامسًا، **تدريب الخطوط الأمامية**: فرق المبيعات والتحصيل وتسوية المطالبات هي من يفعّل الشروط على أرض الواقع — وتعسّفها يكلّف المؤسسة قضائيًا.


خلاصة


نظام المعاملات المدنية لم يضف بنودًا إلى عقودكم، بل أعاد توزيع القوة داخلها — لمصلحة الطرف المذعن، وبيد القاضي سلطة تصحيح لم تكن قائمة. والمؤسسات التي تنتظر أول حكمٍ ضدّها لتكتشف ذلك تدفع الثمن مرّتين: خسارة النزاع، ثم إعادة صياغة المحفظة تحت الضغط. أما التي تبادر بمراجعة عقودها الآن فتحوّل المخاطرة إلى ميزة تنافسية: عقود تصمد، ونزاعات تنحسم لصالحها.


إذا كنتم مسؤولين عن الالتزام أو المخاطر في بنك أو شركة تأمين، فإن مراجعة قانونية مبكرة لمحفظة عقودكم في ضوء نظام المعاملات المدنية ليست رفاهية تنظيمية، بل خط دفاعٍ أول عن الميزانية وعن سمعة المؤسسة.

 
 
 

تعليقات


bottom of page