استشارة قانونية لفهم "حق الأسبقية".. كيف تحجز مكانك في السوق العالمي قبل غيرك؟
- Al Thomali Lawyer
- 3 فبراير
- 3 دقيقة قراءة
قبل عام 1883، كان المخترعون يعيشون كابوساً حقيقياً؛ فبمجرد أن يسجل أحدهم براءته في بلد ما، يُنشر الخبر، فيفقد الاختراع صفة "الجِدة" ويُرفض في بقية دول العالم.
كان الابتكار ينتحر بمجرد خروجه للعلن، ومن رحم هذه المعاناة، وُلدت اتفاقية باريس لتمنح المخترعين "حق الأسبقية" وتوقف نزيف ضياع الحقوق، ولكن، هل كان "الوقت" هو العائق الوحيد؟
مع تعقيد الإجراءات وتعدد اللغات واختلاف القوانين بين الدول، ظهرت الحاجة لنظام أكثر ذكاءً، نظام يفصل بين "عناء الإيداع" و"سيادة المنح"، وهنا ولدت معاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT) لتحدث ثورة في إدارة الملكية الفكرية عالمياً.
وضمن سلسلة المعرفة القانونية المتخصصة التي تقدمها شركة محمود الثمالي للمحاماة والاستشارات القانونية، نأخذكم في رحلة تاريخية تشرح لماذا احتاج العالم لهذه الاتفاقيات، وكيف تحولت حماية الاختراع من معركة إدارية مرهقة إلى استراتيجية دولية ذكية تخدم المبتكرين والمستثمرين على حد سواء.

لماذا احتاج العالم إلى اتفاقية باريس ثم معاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT)؟
لم تأتِ قواعد حماية البراءات الدولية دفعة واحدة، بل تشكّلت استجابةً لإشكالات عملية عميقة واجهت المخترعين، والمكاتب الوطنية، والأسواق في آنٍ واحد.
وقد شكّلت اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية (1883)، ثم لاحقًا معاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT – 1970)، مرحلتين مفصليتين في بناء نظام دولي أكثر عدالة وفعالية لحماية الاختراعات.
أولًا: المشكلة الجوهرية قبل اتفاقية باريس – "الاختراع يُقتل بالنشر"
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان النظام السائد يقوم على مبدأ صارم:
لا تُمنح البراءة إذا كان الاختراع قد كُشف عنه سابقًا.
وكان هذا يضع المخترعين أمام معضلة حقيقية:
بمجرد إيداع طلب براءة في دولة واحدة، يتم نشر الطلب أو يصبح متاحًا،
وعند محاولة الإيداع في دولة أخرى لاحقًا، يُرفض الطلب بحجة انعدام الجِدة.
وبذلك: كان المخترع مضطرًا لتقديم طلبات متزامنة في عدة دول، وهو أمر شبه مستحيل عمليًا من حيث الوقت والتكلفة.
ثانيًا: اتفاقية باريس (1883) – معالجة إشكالية الأسبقية
جاءت اتفاقية باريس كحل أولي لهذه الإشكالية، ووضعت مبدأً ثوريًا في وقته: حق الأسبقية
بموجب هذا المبدأ:
إذا أودع المخترع طلب براءة في دولة عضو، فإن له مهلة 12 شهرًا لإيداع طلبات مماثلة في باقي الدول الأعضاء.
وتُعتبر هذه الطلبات اللاحقة كأنها مقدمة في تاريخ الإيداع الأول.
وبذلك:
لم يعد النشر اللاحق يُفقد الاختراع جِدّته.
وتحققت حماية زمنية عادلة للمخترعين.
ولكن اتفاقية باريس لم توحّد إجراءات الإيداع، بل تركت كل دولة بنظامها الوطني الكامل.
ثالثًا: الإشكالات التي بقيت رغم اتفاقية باريس
رغم أهميتها، لم تحل اتفاقية باريس المشكلات العملية التالية:
1- تعقيد الإجراءات
كل دولة تتطلب:
صياغة مختلفة
لغة مختلفة
وكيل محلي
رسوم مستقلة
2- تضارب الآراء الفنية
نفس الاختراع قد:
يُعتبر جديدًا في دولة.
ومرفوضًا في أخرى.
دون وجود معيار بحث مشترك.
3- عبء على مكاتب البراءات
زيادة هائلة في عدد الطلبات.
تفاوت كبير في القدرات الفنية للمكاتب.
صعوبة التحقق من الجِدة على المستوى العالمي.
وهكذا، تحوّل حق الأسبقية من حل عملي إلى عبء إداري واقتصادي جديد.
رابعًا: الحاجة إلى مرحلة ثانية – لماذا وُلدت معاهدة PCT؟
بحلول نهاية الستينيات، أصبح واضحًا أن:
حماية البراءات لم تعد مشكلة قانونية فقط، بل مشكلة تنظيم دولي وإدارة تقنية.
لذلك، جاءت معاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT) عام 1970، بهدف: توحيد مرحلة الإيداع والبحث، دون المساس بسيادة الدول في منح البراءة.
خامسًا: جوهر نظام PCT – فصل الإيداع عن المنح
أحدثت معاهدة PCT تحولًا ذكيًا في الفلسفة، عبر تقسيم الحماية إلى مرحلتين:
1- المرحلة الدولية: إيداع طلب دولي واحد
إجراء بحث دولي من جهة مختصة.
إصدار:
تقرير بحث دولي
ورأي فني مكتوب حول الجِدة، والخطوة الابتكارية، والقابلية للتطبيق الصناعي.
تستمر هذه المرحلة حتى 18 شهرًا (وقد تمتد فعليًا إلى 30/31 شهرًا) من تاريخ الأسبقية.
2- المرحلة الوطنية
يقرر مقدم الطلب:
في أي الدول يدخل.
بناءً على الجدوى القانونية والتجارية.
كل دولة تحتفظ بحقها السيادي في القبول أو الرفض.
سادسًا: القيمة القانونية والاقتصادية لمعاهدة PCT
معاهدة PCT لم تُنشئ "براءة عالمية"، لكنها قدمت مزايا استراتيجية حاسمة:
تمديد فعلي للوقت لاتخاذ القرار.
خفض التكاليف المبكرة عالية المخاطر.
تقليل الرفض بسبب متطلبات شكلية بحتة.
توحيد نقطة الانطلاق لجميع الدول.
تمكين مقدم الطلب من تحسين صياغة المطالبات.
خلق أداة تقييم مبكرة لقوة البراءة.
دعم القيمة التسويقية والاستثمارية للاختراع.
الخلاصة: تطور طبيعي وليس ترفًا قانونيًا
اتفاقية باريس عالجت مشكلة زمنية (الأسبقية).
معاهدة PCT عالجت مشكلة إجرائية وفنية واقتصادية.
وكلتاهما جاءت استجابةً مباشرة لواقع عملي ضاغط، لا تنظيرًا قانونيًا مجردًا.
وبذلك، لم تُسهِّل PCT فقط طريق المخترعين، بل أعادت التوازن بين:
حماية الابتكار.
كفاءة المكاتب.
مصلحة السوق.
أما السؤال المفتوح: هل يحتاج العالم إلى مرحلة ثالثة؟ فربما، مع الذكاء الاصطناعي، والبراءات الخوارزمية، وتسارع الابتكار، قد يكون اللقاء القادم أقرب مما نتصور.
إعداد إدارة الملكية الفكرية





تعليقات