قراءة في حكم "عدم الاختصاص" بدعوى مستثمرين سعوديين ضد مصر
تاريخ التحديث: قبل 6 أيام
بقلم: المحامي محمود عادل الثمالي
تداولت الصحف خلال اليومين الماضيين خبر رد دعوى مستثمرين سعوديين ضد مصر أمام "محكمة لاهاي"، وقد يفهم القارئ من العنوان أن المستثمرين خسروا حقهم. والصحيح أن الأمر ليس بهذا المعنى. وما حدث يستحق أن يُفهم كما هو، لأن فيه درسًا لكل من يستثمر خارج المملكة.
بحسب ما أعلنته الجهة الممثلة للدولة المصرية، أصدرت هيئة التحكيم في 22 سبتمبر 2026 حكمها بعدم الاختصاص بنظر الدعوى، ورفضت ادعاءات المحتكمين، وألزمتهم بكامل مصروفات التحكيم ومصاريف التمثيل القانوني للدولة المصرية، بعد ثلاث سنوات من بدء الإجراءات. أما المطالبات فكانت ضخمة، إذ طالب المستثمرون بأكثر من 34 مليار دولار بدعوى أن تدابير اتخذتها الدولة أضرت باستثماراتهم في مشروعات إنشائية داخل مصر، استنادًا إلى اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
ما الذي لم يقله العنوان
عبارة "محكمة لاهاي ترد الدعوى" مفهومة إعلاميًا، لكنها غير دقيقة قانونيًا. المحكمة الدائمة للتحكيم لا تحكم بنفسها، بل تدير الإجراءات لهيئة تحكيم تُشكَّل للنزاع بعينه. بل إن البيانات الدولية للقضية تشير إلى أن مقر التحكيم كان باريس، رغم أن المحكمة التي أدارت الإجراءات مقرها لاهاي، ومقر التحكيم هو ما يحدد المحكمة الوطنية المختصة بأي طعن لاحق.
والأهم من ذلك أن الهيئة لم تقل إن المستثمرين لم يتضرروا. هي قالت إنها لا تملك ولاية النظر في دعواهم أصلًا. وهيئة لا اختصاص لها لا تستطيع أن تفصل في الموضوع، فرقم الـ34 مليارًا بقي مطالبةً لم يُنظر في صحتها، لا حقًا ثبت بطلانه.
أين تسقط دعاوى من هذا النوع عادة؟
أسباب الحكم لم تُنشر بعد، ولن أجازف بتخمين السبب الذي اعتمدته الهيئة. لكن من واقع التعامل مع ملفات التحكيم الاستثماري، اعتراضات الاختصاص تدور غالبًا حول أسئلة محددة: هل المدعي "مستثمر" بالمعنى الذي تحميه الاتفاقية؟ وهل ما قام به "استثمار" أم مجرد علاقة تعاقدية تجارية؟ وهل وقعت الأفعال ورُفعت الدعوى ضمن النطاق الزمني الصحيح؟ ثم السؤال الذي أراه الأخطر في اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي تحديدًا: هل انعقد رضا الدولة بالتحكيم وتشكّلت الهيئة بالطريقة التي تقرها الاتفاقية؟
هذه الاتفاقية لها تاريخ معقد في هذه النقطة. فهي تمنح الأمين العام للمنظمة سلطة تعيين المحكم إذا امتنع أحد الطرفين، لكن الأمين العام رفض القيام بذلك في قضايا سابقة، منها ثلاث قضايا ضد مصر عام 2014. فلجأ بعض المدعين إلى شرط الدولة الأولى بالرعاية للاستعانة بالمحكمة الدائمة للتحكيم كسلطة تعيين بديلة، إلى أن قضت محكمة استئناف باريس في مارس 2021 بأن نص تسوية المنازعات في الاتفاقية لا يمنح الأمين العام للمحكمة الدائمة للتحكيم سلطة تعيين المحكمين. ولا أقول إن هذا هو سبب الحكم، لكن من يقرأ القضية دون استحضار هذه الخلفية يفوته نصف الصورة.
الثمن
ما يلفت نظري أكثر من الحكم نفسه هو الإلزام بالمصروفات. ثلاث سنوات من الإجراءات، ومحكمون دوليون، وخبراء، ومكاتب محاماة، ثم يتحمل المدعون تكاليفهم وتكاليف خصمهم كاملة. هذا ليس أمرًا تلقائيًا في كل قضية، لكنه يتكرر حين تكون المطالبة كبيرة وأساس الاختصاص محل شك.
وحكم عدم الاختصاص لا يعني بالضرورة نهاية الطريق نظريًا، فهناك الطعن بالبطلان أمام محاكم المقر في حدود ضيقة، وقد تبقى سبل أخرى بحسب المدد وقواعد كل جهة. لكن تقييم ذلك يحتاج إلى نص الحكم، لا إلى أخبار الصحف.
ماذا يعني هذا لمستثمرينا؟
أكثر ما أكرره لعملائنا ممن يتوسعون خارج المملكة: السؤال الأول ليس "كم سأطالب إن حصل نزاع؟" بل "أمام من سأطالب؟". اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي مفيدة، لكنها لا تكفي وحدها، والقضايا الأخيرة تثبت ذلك. البديل هو أن يُدرس الأمر قبل ضخ رأس المال: ما الاتفاقيات الثنائية المتاحة، وما شرط التحكيم في عقد الاستثمار نفسه، وهل تمنح هيكلة الملكية حماية أوضح.
من يرتب هذه المسائل في البداية يوفر على نفسه كثيرًا. ومن يؤجلها قد يجد نفسه، بعد سنوات وملايين، أمام حكم لا يناقش حقه أصلًا.
عن شركة محمود عادل الثمالي للمحاماة
شركة محمود عادل الثمالي للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم شركة محاماة سعودية تقدم خدماتها للشركات والمستثمرين والجهات في التحكيم التجاري والدولي، من الاستشارة والصياغة إلى التقاضي والتحكيم. آخر تحديث: سبتمبر 2026.
اطلب استشارة لشركتك
املأ النموذج التالي وسيتواصل معك الفريق المختص لتحديد نطاق العمل المناسب.
مقالات ذات صلة
المعلومات الواردة في هذا المقال عامة ولا تغني عن استشارة خاصة بوقائع كل حالة.






تعليقات