top of page

قانون العلامات التجارية.. هل توفر السخرية مبرر قانوني للتقليد؟


في عالم الهدايا التذكارية، قد تبدو فكرة استبدال "النمر" في شعار PUMA الشهير بـ "دب" ياباني يُدعى KUMA مجرد سخرية فكاهية بريئة، ولكن بالنسبة للقضاء، كانت هذه المزحة معركة قانونية كلفت صاحبها خسارة علامته التجارية بالكامل.

تعد قضية PUMA ضد KUMA من أشهر القضايا الدولية التي فككت شفرة "السخرية التجارية" (Parody)، فمتى يُسمح للمبدعين بمحاكاة العلامات العالمية؟ ومتى يعتبر القانون هذا الإبداع "ركوباً مجانياً" على شهرة الآخرين وسوء نية تهدف لتضليل المستهلك؟

إن ميزان العدالة لا ينخدع بالفروق الشكلية البسيطة، بل ينظر إلى الارتباط الذهني الذي قد يُضعف قيمة علامتك التجارية أو يسرق بريقها.

وضمن سلسلة التحليلات القانونية المعمقة التي تقدمها شركة محمود الثمالي للمحاماة والاستشارات القانونية، نستعرض معكم خبايا هذا النزاع الياباني العالمي، لنرسم حدود الحرية في التعبير مقابل قدسية العلامة التجارية المشهورة.

السخرية التجارية وحدودها في قانون العلامات التجارية

تُثير العلاقة بين حرية التعبير وحماية حقوق الملكية الفكرية إشكاليات قانونية دقيقة، لا سيما عندما تتخذ السخرية (Parody) طابعًا تجاريًا يُوظَّف في إطار العلامات التجارية.

وتُعد قضية PUMA ضد KUMA في اليابان من أبرز القضايا التي عالجت هذا التداخل، حيث رسمت حدودًا واضحة لما هو مشروع من السخرية، وما يُعد استغلالًا غير مشروع لشهرة علامة تجارية عالمية.

قراءة في قضية PUMA ضد KUMA أمام القضاء الياباني

أولًا: وقائع النزاع

بدأ النزاع عندما تقدّم أحد الأطراف بطلب تسجيل علامة تجارية مكوّنة من كلمة “KUMA” (وتعني الدب باللغة اليابانية) مرفقة برسم دب يتخذ وضعية وشكلًا عامًا قريبًا من شعار شركة PUMA الشهير.

وقد تم تسجيل هذه العلامة بتاريخ 13 أكتوبر 2006 عن فئة الملابس (الفئة 25).

ومن الناحية التسويقية، لاقت القمصان التي تحمل علامة “KUMA” رواجًا ملحوظًا، خاصة بين السياح في منطقة هوكايدو شمال اليابان، حيث سُوّقت باعتبارها هدايا تذكارية ذات طابع فكاهي، وهو ما عزّز إدعاء مالكها بأن العلامة لا تعدو كونها محاكاة ساخرة (Parody) لا تهدف إلى التقليد.

 

ثانيًا: الإجراءات  القانونية

على إثر ذلك، بادرت شركة PUMA SE إلى رفع دعوى بطلان تسجيل أمام مكتب براءات الاختراع الياباني (JPO)، استنادًا إلى أن علامة “KUMA” تنتهك حقوقها في علامتها المشهورة، وتستفيد من شهرتها بصورة غير مشروعة، وقد انتهى المكتب إلى إلغاء تسجيل علامة “KUMA”.

ولم يرتضِ مالك العلامة الملغاة بهذا القرار، فطعن عليه أمام محكمة الملكية الفكرية العليا اليابانية، متمسكًا بالدفع القائل بأن العلامة محل النزاع تمثل سخرية تجارية مشروعة ولا تؤدي إلى إحداث لبس لدى الجمهور.

 

ثالثًا: الأسس القانونية التي اعتمدتها المحكمة

ركّزت المحكمة في تحليلها على معيارين جوهريين:

  1. الانطباع العام لدى المستهلك العادي

  2. نية المودِع والغرض الحقيقي من تسجيل العلامة

 

وأكدت المحكمة أن السخرية التجارية لا تتمتع بحصانة مطلقة في إطار قانون العلامات التجارية، ولا يمكن الاحتجاج بها متى أدت إلى:

  1. الاستفادة غير العادلة من شهرة علامة مشهورة، أو

  2. إضعاف تميّزها (Dilution)، أو

  3. تضليل المستهلك بشأن مصدر السلع.

 

كما أوضحت أن التقييم القانوني لا يقف عند حدود الفروق الشكلية الدقيقة بين العلامتين، بل ينصرف إلى مدى استحضار العلامة اللاحقة للعلامة المشهورة في ذهن الجمهور، وهو معيار جوهري في قضايا العلامات المشهورة.

 

رابعًا: الحكم وأسبابه

قضت محكمة الملكية الفكرية العليا برفض الطعن، وأيّدت قرار إلغاء تسجيل علامة “KUMA”، مستندة إلى ما يلي:

  • أن العلامة محل النزاع من شأنها إحداث لبس لدى الجمهور بالمخالفة للمادة 4/1/15 من قانون العلامات التجارية الياباني، بسبب التشابه البصري والفكري بينها وبين علامة “PUMA”.

  • أن وضع العلامتين كـ علامة صغيرة على الجزء الأمامي من القمصان (one-point mark) يجعل من الصعب على المستهلك العادي تمييز الفروق البسيطة بينهما، مما يزيد من احتمالية الخلط بشأن مصدر المنتجات.

  • أن تسجيل علامة “KUMA” تم بسوء نية، حيث تعمّد مالكها محاكاتها لعلامة “PUMA” بقصد استغلال شهرتها وقيمتها التجارية، وهو ما يشكل مخالفة صريحة لمبادئ الأمانة التجارية والثقة الدولية، وفقًا للمادة 4/1/7 من القانون ذاته.

 

خامسًا: الدلالات القانونية للقضية

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة لكونها تؤكد أن:

  • السخرية لا تبرر التقليد متى تجاوزت حدود التعبير الفني أو الفكري وأصبحت أداة جذب تجاري قائمة على شهرة الغير.

  • حماية العلامات المشهورة تمتد إلى منع أشكال الباروديا التجارية المضللة، حتى وإن ادّعت طابعًا فكاهيًا.

  • حرية التعبير، وإن كانت قيمة دستورية معتبرة، لا يجوز توظيفها على حساب حماية المستهلك ومنع الاستغلال غير المشروع للسمعة التجارية.

 

خاتمة

تُجسّد قضية PUMA ضد KUMA توجهًا قضائيًا حازمًا في مواجهة محاولات الالتفاف على حماية العلامات المشهورة تحت ستار السخرية.

وهي سابقة مهمة تؤكد أن ميزان العدالة في قانون العلامات التجارية يميل إلى حماية الثقة في السوق ومنع الخلط، حتى في أكثر السياقات إبداعًا أو فكاهة، متى كان ذلك على حساب حقوق الملكية الفكرية المشروعة.

إعداد إدارة الملكية الفكرية

 

 

تعليقات


bottom of page